#حرب المئة يوم… وأكثر

الافتتاحية بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي

@DRMICHElCHAMMAI

مئة يوم مرّة مرّت على اللبنانيّين جميعهم. أدخلتهم فيها منظّمة حزب الله في نفق موت أسود. لكنّ نهايته محتومة. وحدها الدّولة قادرة على تغيير هذه النّهاية. والمسار المؤسّساتي الشرعي قادر أن يقلب مصير اللبنانيين كلّهم من الأسود إلى الأبيض. ومَن لا زال ينتظر من منظّمة حزب الله أن ترعوي فهو كالذّي ينتظر عرضًا إباحيًّا على شاشة تلفزيون المنار. قاموسها الاصطلاحي خالٍ من كلّ مشتقّات “الإرعواء” لأنّهم يرون أنفسهم آلهة يخاطبون الإله ويعملون بتكليف شرعيّ منه.

وهذا ما لا يمكن قبوله في أيّ عقل إنسانيٍّ. بعد مئة يوم من الموت والخراب والاقتلاع، وبين ثقافة الموت وثقافة الحياة، وبين منطق الحرب ومنطق السلام، أين سيضع اللبنانيّون أقدامهم؟ أعلى طريق الحرب الذي يقود إلى مزيد من المقابر، أم على طريق السلام الذي يفتح باب الحياة والدولة والمستقبل؟

قرار الدولة ومأزق الدويلة

قرار الدّولة اللبنانيّة أعلنه فخامة رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون بقوله: “أخذت قرار المفاوضات وسأكمل فيه حتّى النّهاية. وممنوع العودة إلى زمن الوصايات”. ولعلّ هذا القرار الذي دفع بمحور إيران إلى حفلة جنون مطبق. تمّ ترجمتها بحملات التّخوين التي باتت هزيلة لا ترضي إلّا مطلقيها. ومواقف فخامته واضحة وضوح الشّمس. وبالطّبع هذا ما ترفضه منظّمة حزب الله لأنّها تدرك أنّ حياة الدّولة تعني موت الدّويلة.

مفاوضات معلّقة وضغوط متصاعدة

وفي معلومات صحافيّة يبدو أنّ مصير الجولة القادمة من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل والمقرّرة في الثاني والعشرين من حزيران لم يحسم حتّى الساعة. ولعلّ مردّ ذلك إلى المواقف المتناقضة التي لا زال الرئيس الأميركي دونالد ترامب يطلقها. هذه المواقف التي عطّلت التقيّة الديبلوماسيّة الإيرانيّة، ولا سيّما أنّ الضربات على إيران توالت في الساعات الأخيرة.

الحدود الشرقيّة والمومنتوم الأميركي

كما ترافق هذا المسار مع تعزيزات عسكريّة للجيش السّوري باتّجاه المناطق الحدوديّة مع لبنان، وكأنّ الرئيس الشرع يبدي تجاوبًا مع ما أشار إليه الرّئيس ترامب عن إمكانيّة مساندة الشرع للقضاء على منظّمة حزب الله في منطقة بعلبك الهرمل. وهذا ما يجب أن تقرأه السلطات اللبنانيّة للعمل على الحدّ من هذا الدّفع الأميركي السيّئ باتّجاه لبنان في هذه الحالة، وللاستفادة من المومنتوم الأميركي الإيجابي تجاه لبنان؛ حيث سجّل معظم المراقبين بأنّ الاهتمام بالملفّ اللبناني في أميركا بلغ ذروته منذ أكثر من أربعين سنة.

دعوات السلام وإشكاليّة المسؤولية

مع هذا الاهتمام، برزت الدّعوات الإسرائيليّة من قبل الرئيس الإسرائيلي ورئيس الحكومة إلى الدّولة اللبنانيّة للدّخول في مسار السلام مع إسرائيل، مع تطمينات بعدم وجود أي أطماع في الجغرافيا اللبنانيّة، ووعود بالتّعاون الاستثماري والسياحي والثقافي وغيرها من المسائل. أمام هذه الدّعوات لا يمكن التّغاضي عن المآسي التي تسبّب بها الإسرائيلي في لبنان. ولكن الإشكاليّة الأكبر تكمن في الذي دفع الإسرائيلي إلى ارتكاب هذه المآسي كلّها. وهذا ما لا يمكن إنكاره. فالمحور الإيراني الذي تجسّده منظّمة حزب الله في لبنان هو الذي رهن مصير اللبنانيين كلّهم، ليستعملهم ورقة في المفاوضات مع الشيطان الأكبر.

تهديدات إيرانيّة وأسئلة الحرب المقبلة

إضافة إلى ذلك، تستمرّ إيران بالتّصعيد أكثر بحسب ما ورد على لسان رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي بتهديده بأنّ هذه المرّة لن تقتصر الحرب على المنطقة فقط. وهذا التّهديد يتخطّى الحدود التي رسمتها الولايات المتّحدة لهذه الحرب. فهل سيستطيع الرئيس الأميركي الحدّ من هذا التّهديد؟ وهل يكون الحدّ من هكذا تهديدات بالضربة المؤجّلة التي ما فتئ الرّئيس ترامب يلوّح بها؟

من ساحات الحرب إلى سباق التريليونات

وتوازيًا مع مسار الحرب الدّائرة والسلام المؤجّل برز مسار نهضوي نوعي جديد حيث نجح إيلون ماسك بصناعة التّاريخ، إذ قد يصبح أوّل تريليونير في العالم، وذلك خلال أيام قليلة فقط. حيث تستعدّ شركته “Space X” للدّخول في سوق الأسهم بسعر 135 دولارًا للسهم الواحد، فتمّ طرح 555.6 مليون سهم للاكتتاب لتبلغ حصيلة الطرح 75 مليار دولار، وترفع القيمة السوقية لشركة “Space X” إلى 1.8 تريليون دولار. إنّه الاكتتاب الأكبر في التاريخ متجاوزًا طرح “أرامكو” في السعودية في العام 2019 الذي بلغ 29.4 مليار دولار.

الشرق الأوسط في قلب العالم الجديد

هذا المسار إن دلّ على شيء فهو يشير إلى أنّ المشروع الأميركي قد انطلق بالسرعة القصوى، بعد ترويض التنين الصيني اقتصاديًّا في الزيارة الأخيرة التي أجراها الرئيس ترامب للصين. وإذا قرأنا هذا المسار جيوبوليتيكيًّا نستشرف بأنّ منطقة الشرق الأوسط ستشكّل منطقة العبور بين المشروعَين، وليس القارّة العجوز. وذلك لأنّ منطقة الشرق الأوسط ستشكّل مصدرًا للطاقة الجديدة في هذا القرن. بينما أوروبا ستبقى استهلاكيّة تعتمد على ما سترفدها به الولايات المتّحدة الأميركيّة من القارّة الأميركيّة ومن الصين على السواء، ولكن وفقًا للإيقاع الاقتصادي المضبوط أميركيًّا.

لبنان بين هامش التاريخ وصناعة المستقبل

هذا هو العالم الجديد الذي ينتظرنا. وفي وسط هذه المعادلة الشرق الأوسط الجديد. إن لم ننجح كدولة لبنانيّة في تثبيت الاستقرار والدّخول في عمليّة السلام من خلال المفاوضات التي تديرها الشرعيّة اللبنانيّة، فعندها سنكون على هامش هذا العالم الجديد الذي سيولد حتمًا بعد هذه الموجة. وما من عاقل يدرك أنّ لبنان الحالي يستطيع أن يكون في صلب هذا العالم من دون إعادة ترتيب ولادة جديدة للدولة والمؤسسات فيه وفقًا للقاعدة الاتّحاديّة – الحياديّة.

فهل فعلًا سنبصر في هذا الوطن الجديد أم أنّ طموحنا فقط سيقتصر على الرّؤية التي لا تتخطّى حدّ النّظر؟ فما بين البصر والبصيرة بون كبير. عسى أن تغلب بصيرتنا على قصر بصر بعض الذين لا زالوا يتحكّمون في جغرافيا الأمر الواقع، ماذا وإلّا سنصبح خارج جغرافيا المستقبل وسندخل في سطر من صفحة هامشيّة من صفحات كتب التّاريخ.

من الحرب والموت، إلى قرار الدولة، ثمّ المفاوضات والتطوّرات الإقليميّة، فالدعوات إلى السلام، فالتهديدات الإيرانيّة، وصولًا إلى التحوّلات الاقتصاديّة العالميّة، هل سيحفظ لبنان الجديد له موقعًا في الشرق الأوسط الجديد بعد حرب مئة يومٍ قد تخرجه من الجغرافيا الجديدة؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك