ماذا يرى ابن الجنوب عندما يعود ؟

خاص بوابة بيروت

عندما يعود ابن الجنوب إلى جنوبه، لا يعود إلى بيتٍ ينتظره، بل إلى قبر واسع من الذكريات.

يعود حاملاً مفتاح منزله في جيبه، فيجد أن الباب الذي كان يفتحه كل صباح لم يعد موجوداً، وأن الجدار الذي كان يستند عليه صار كومةً من الحجارة والتراب. ينظر مذهولاً، يبحث بين الركام عن نافذةٍ كانت أمه تطل منها، وعن زاويةٍ كان أبوه يجلس فيها فلا يجد سوى الركام مكدس … صمتٍ ثقيلٍ كأنه بكاء الأرض نفسها.

يمشي في القرية فلا يسمع نباح كلب، ولا صياح ديك، ولا ضحكات أطفالٍ عائدين من المدرسة. حتى الريح تمرّ خجولةً بين البيوت المهدمة، وكأنها تخشى أن توقظ الأحزان النائمة تحت الأنقاض.
أين بساتين الليمون التي كانت تملأ المكان عطراً ؟ أين أشجار الزيتون التي كانت تحفظ أسرار الأجداد؟ لقد احترقت الأغصان، وجفّت التربة، وسقطت الثمار . كأن الأرض نفسها أعلنت الحداد على أبنائها.

عندما يدخلوابن الجنوب إلى المدرسة التي تعلّم فيها يرى المقاعد مكسورة، واللوح مكسور، والكتب ممزقة بين الغبار. وهناك، في زاوية الصف، قطعة طبشور صغيرة ما زالت ملقاة على الأرض، كأنها الكلمة الأخيرة التي لم يستطع أحد أن يكملها.

أما امهات الجنوب … فهن أشد وجعاً من كل الركام. أمٌ تجلس عند عتبة بيتٍ لم يعد بيتاً، تحدّق في طريقٍ طويلٍ تنظر وتنتظر لا تعرف إن كان ابنها سيعود إليها ذات صباح، أم أن صورتَه وحدها هي التي ستبقى معلقةً على الجدار . هي تنتظر وتنتظر خبراً ، صوتاً، او إشارةً، او أي شيءٍ يطفئ نار الانتظار المشتعلة في قلبها.

وعند المساء، حين تغيب الشمس خلف التلال، يبدو الجنوب كله كأنه يتنهّد. الزيتونات تبكي بصمت، والصنوبرات تنحني من ثقل الوجع، والأقحوان وشقائق النعمان ذبلت على التراب كأنها فقدت الرغبة في التفتح من جديد.

فبالله عليكم، ماذا يرى ابن الجنوب عندما يعود؟
اين شتلة التبغ ، اين الاوراق الخضراء التي كانت تكبر تحت شمس الصيف لتحمل معها رزق العائلة وكرامة الفلاح الجنوبي.

اصبح يرى أرضاً تنبت الحزن. اصبح يرى طرقاتٍ تعرف أسماء الشهداء أكثر مما تعرف أسماء العابرين. يرى حجارةً مهدمة، وذكرياتٍ مكسورة، وأحلاماً دفنت تحت الركام قبل أن تولد.

إنه يعود إلى وطنٍ جريح، وإلى قريةٍ أنهكها الانتظار، وإلى أرضٍ ما زالت تبحث بين الدخان عن ملامح الحياة.

ويبقى السؤال معلقاً في السماء كصرخةٍ موجوعة:
كم من الدموع تحتاج الأرض حتى تغسل عنها آثار الحرب؟ وكم من السنين يحتاج القلب حتى ينسى المشهد الأول … فلم يجد البيت؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك