بقلم د. ميشال الشماعي – #بوابة_بيروت تنشر #مشروع_ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير #مرفأ_بيروت في #٤_آب ٢٠٢٠
في الرابع من آب سالت دماء القمح على صوامع الحقيقة فسقطت العدالة. مات الوطن في الإنسان لأنّ هذا الوطن لم يحمِ الإنسان فيه. وهكذا لا دموع سقطت في الطريق، لا بكاء تصاعد في الهواء. فالرّوح تاهت في الهيولة لم تعرف أين تذهب. والجسد تناثر رمادًا فوق الرّماد. ومَن بقي لم يبقَ كما كان، بل كلّ ما كان بقي في ذلك المكان. وغادر الزمان هذا المكان، وتوقّفت عقارب الوقت بعدما لسعتها عقارب الغدر. هذا هو الرّابع من آب. يوم سيبقى إلى الأبد محفورًا في روزنامة الحياة حتّى انقضاء الدّهر.
يوم الرّابع من آب لم يبقَ ذكرى، بل جرحًا لن يتبلسَم بلا عدالة.
فالحقيقة نعرفها. دليلنا إلى سراديبها المحفورة تحت بيوتنا قاطع. عبق الموت الذي فاح من هذه السراديب قتل حافريها. حتّى هم احترقوا في الجحيم الذي صنعوه للوطن. والمفارقة في ما حصل في ذلك الرّابع من آب أنّ الوطن الذي أرادوه في سجنهم الإيديولوجي تحرّر بسلسلة دماء ودموع ضحايا الرابع من آب. فانكسرت سلاسل الخوف وعلت صرخات الحقيقة.
هذه الحقيقة التي لم تكن يومًا بالنّسبة إلينا مستورةً، إنّما اكتشفناها منذ نيّف وأربعة عقود. يوم دخلوا الوطن بذريعة إنقاذ بيئة، فانقضّوا على الوطن بأسره آسرين البيئة التي ادّعوا تحريرها. حتّى باتت هي بأمسّ الحاجة إلى التحرّر بقول الحقيقة. فاكتشف هذه الحقيقة بعد ثلاث سنوات من الرابع من آب. وها هي اليوم في السنة السادسة تصرخ: نريد الحياة لا الموت. نريد الحرّيّة لا الاستعباد. نريد العدالة لأنّنا نعرف حقيقتكم.
صحيح أنّ هذه العدالة قد تأخّرت لسنين ستٍّ، لكنّها حتمًا آتية. فهل مَن يجرؤ على إعلانها؟ لم نأمل فقط يومًا بل عملنا لنصل إلى لحظة تعلن فيها الحقيقة على قوس العدالة، وينال المجرمون عقابهم. نعلم أنّ عدالة السّماء قد أنصفتنا، وكلّنا إيمان أنّها ستنصفنا أكثر. لكن لا يمكن التّغاضي عن عدالة الأرض حتّى لا تتكرّر الجريمة بحقّ الإنسان الذي فينا أوّلًا، وبحقّ كلّ إنسان سيكون في هذا الوطن من بعدنا ثانيًا.
فالأوطان التي لا عدالة فيها يهجرها ناسها. ولنا في هذا المثال أحبّاء كثر أضحوا في الأصقاع الأربعة. وذريعتهم في الرّحيل: ” البحث عن وطن فيه عدالة ليشعروا بالحياة”. ولعلّ هذا حقّ من أبسط حقوق البشر، لا يمكن الاستمرار من دونه. هؤلاء الذين رحلوا وسامحوا ولكنّهم لن ينسوا أبدًا. وهكذا نحن. سامحنا ولن ننسى.
نعم، لا يمكن أن ننسى مَن جعل من بيروتنا ملاذًا لإرهابه ومستودعًا لشرّه.
نعم، لا يمكن أن ننسى مَن بنى مدينته السوداء تحت بيروت ليتحصّن من أبناء الحقيقة فيها.
نعم، لا يمكن أن ننسى مَن باع بيروت مرّة في بلاط الشام ومرّة في بلاط طهران ليقبض ثمنها مقاعد مضمّخة بالدّماء.
نعم، لا يمكن أن ننسى مَن قرّر يومًا أنّ فلسطين أهمّ من لبنان، وإنسانها المظلوم حقًّا، حقٌّ علينا مناصرته، ولو على حساب دماء أبناء بيروت.
نعم، لا يمكن أن ننسى مَن رفض السلام لبيروت لأنّه لا يمرّ عبره واختار دمارها طوال ثلاث وأربعين سنة وما زال.
نعم، لا يمكن أن ننسى مَن منع العدالة لبيروت في قصر عدلها ليحقّق بذلك نصره على الحقيقة التي ظنّ أنّه أخفاها من أمام وجه الله. فمات نصره، وبقي الله، وبقيت الحقيقة التي لا بدّ أن تعلن.
نعم، لا يمكن أن ننسى مَن أعلن كفره بلبنان الحرّيّة والحياة والسلام، وتفاخر بانتمائه وولائه لأمّة وأيديولوجيا الاستعباد والموت والحرب والقتل والغدر والسلاح والدّمار والدّماء، وفوقها الدّموع الممنوعة.
الحقيقة واضحة كالشمس. وصراخ أطفال الغوطة وحلب وسوريا كلّها يدوي أقوى من دويّ الرّابع من آب. هذه النّار التي أشعلوها الذين أشعلوا جهنّمهم في أرض الوطن، أطفأتها أرواح فوج إطفاء بيروت بعدما أحرقت أجسادهم. والرّماد الذي تطاير من عصف أجساد الضّحايا الذين سقطوا، هو الذي بعث الفينيق من جديد وأحيا الوطن.
أمّا العدالة، فلن نخاف عليها لأنّها آتية لا محالة.
آتية لأنّ الكلمة أقوى من الصمت لو أنّ للصمت دويّ الوجع.
آتية لأنّ النور غلب الظّلمة لو الظّلمة طال زمنها.
آتية لأنّ الحياة أقوى من الموت لو أماتوها بالموت.
آتية لأنّ الحقّ لا يموت لو تمّ تقويم قوسه.
آتية لأنّ الحرّيّة لا يغلبها الاستعباد لو غُلِّف بالخوف.
آتية لأنّ التّاريخ ينصف الثابتين في مساره.
آتية لأنّ السلام ينبع منها والسلام آتٍ.
الرابع من آب ليس ذكرى بل عبرة. منها نتعلّم أنّ الحياة إرادة في المطالبة بالعدالة والتزام بقول الحقيقة مهما كانت صعبة أو خطرة.
وخطورة استمرار تغييب العدالة يعني أنّ كلّ يوم سيكون الرابع من آب. والمأساة ستتكرّر. إن لم تقم العدالة من موتها فالحقيقة التي سنصرخ بها وحدها ستقيمها. وهي آتية آتية آتية.
