
كاتبة وناشطة سياسية
لبنان أمام لحظة إعادة تعريف
بقلم خلود وتار قاسم
قد يكون هذا المقال طويلًا بعض الشيء، وقد يبدو في بعض أفكاره مثاليًا في زمنٍ لا يترك للمثالية مساحة كبيرة. لكنني أعتقد أن هذا النوع من الكلام أصبح ضروريًا في هذه المرحلة الحساسة التي يمرّ بها بلدنا الحبيب لبنان. فنحن بحاجة، وسط الضجيج والخوف والانقسام، إلى أن نرفع نظرنا قليلًا عن تفاصيل اللحظة، وأن نفكر بهدوء في البلد الذي نريد أن نخرج به من هذه المرحلة، لا فقط في الأزمة التي نريد أن ننجو منها.
حين تتزاحم أمامنا اليوم عناوين العقوبات والضغوط الدولية، والاعتداءات والتهديدات الإسرائيلية، والتحركات الدبلوماسية، والحديث عن السلاح والدولة، وعن موقع لبنان وسط المصالح الإقليمية والدولية، يصبح من السهل أن ننجرّ إلى السؤال التقليدي: مَن ربح ومَن خسر؟ مَن تراجع ومَن تقدّم؟ لكن لبنان، بتاريخه وتركيبته وتجربته القاسية، لا يحتمل انتصار مكوّن على مكوّن آخر، لأن كل انتصار داخلي من هذا النوع أثبت مع الوقت أنه خسارة مؤجلة للجميع. ولعل الحكمة اليوم هي أن نقرأ ما يجري لا بوصفه فرصة لإعادة توزيع القوة بين اللبنانيين، بل فرصة لإعادة تعريف علاقتهم بوطنهم ودولتهم وببعضهم البعض.
لا يمكن قراءة الأزمة اللبنانية الراهنة خارج سياقها التاريخي والجغرافي. فهذا البلد الصغير لم يعش يومًا معزولًا عن صراعات المنطقة، وقد دفع أثمانًا باهظة للاحتلالات والاعتداءات الإسرائيلية والحروب، كما دفع أثمان الانقسامات الداخلية والوصايات والتدخلات والمصالح الإقليمية والدولية المتصارعة على أرضه. والجنوب اللبناني تحديدًا عرف الاحتلال والمقاومة والحروب والنزوح والدمار، ودفع أهله من حياتهم وأرزاقهم وأمنهم أثمانًا لا يجوز اختصارها اليوم في سجال سياسي حول حزب أو طائفة. احترام هذه الذاكرة واجب، لكن المسؤولية تجاه الأجيال المقبلة تفرض علينا أيضًا ألا نجعلها محكومة بتكرارها إلى ما لا نهاية.
من هنا، لا أرى أن السؤال الحقيقي اليوم هو مَن انتصر ومَن تراجع، بل ما إذا كنا قادرين على تحويل هذه اللحظة الصعبة إلى بداية عقد وطني أكثر نضجًا، يشعر فيه الجميع بأن الدولة ليست خصمًا لأحد ولا مشروعًا لإضعاف أحد، بل المساحة المشتركة التي تحمي الجميع. فالدولة القوية لا تُبنى بإضعاف الشيعي أو السني أو المسيحي أو الدرزي، ولا بتخويف بيئة أو تحميلها وحدها مسؤولية تاريخ معقد، وإنما ببناء مؤسسات تجعل كل مواطن مقتنعًا بأن كرامته وأمنه وحقوقه مصانة داخل الدولة.
لكن هذا يضع على الدولة نفسها مسؤولية ضخمة. فمن السهل أن نطالب المواطن بالثقة بها، والأصعب أن نبني دولة تستحق هذه الثقة. وعندما نتحدث عن بسط سلطة الدولة، علينا أن نتحدث بالجدية نفسها عن حماية الأرض والحدود، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية واستعادة الحقوق اللبنانية، وإعادة إعمار الجنوب والمناطق المتضررة، وعن العدالة والمحاسبة والتنمية واقتصاد يعيد للناس كرامتهم. فالدولة ليست مجرد سلطة تطلب من مواطنيها الالتزام؛ إنها عقد متبادل، تعطي فيه الأمان والحقوق والعدالة لكي تستحق الولاء والثقة.
وفي قلب هذه المعادلة يقف الجيش اللبناني، لا بوصفه قوة في مواجهة أي بيئة لبنانية، بل المؤسسة التي تستطيع أن تكون نقطة التقاء بين اللبنانيين. قوة الجيش لا تُقاس فقط بما يمتلكه من سلاح وعتاد، وإنما أيضًا بمقدار الثقة الوطنية التي تحيط به، وبقدرة الدولة على توفير الإمكانات السياسية والعسكرية والدبلوماسية التي تسمح له بحماية الأرض والسيادة. لذلك يجب ألا تُقدَّم تقوية الجيش باعتبارها انتصارًا لفريق أو هزيمة لآخر، بل مسارًا وطنيًا يصل من خلاله اللبنانيون واللبنانيات، بالحوار والتوافق والضمانات المتبادلة، إلى دولة قادرة فعليًا على حماية الجميع.
أما علاقات لبنان الخارجية، فقد آن الأوان أيضًا أن نخرج بها من منطق المحاور. ليس قدر لبنان أن يبقى أمام خيار دائم بين إيران وأميركا، أو بين الشرق والغرب. من حقه أن تكون له علاقات مع إيران والدول العربية والولايات المتحدة وفرنسا وأوروبا وسائر المجتمع الدولي، ولكن من موقع المصلحة اللبنانية أولًا. فالمشكلة ليست في أن يكون للبنان أصدقاء في الخارج؛ المشكلة تبدأ عندما يصبح الخارج، أيًّا كان، أقدر من اللبنانيين واللبنانيات على التأثير في خيارات وطنهم. والاستقلال الحقيقي لا يعني الانعزال عن العالم، بل القدرة على التعامل معه من موقع الدولة التي تعرف مصالحها وتحمي قرارها.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن تتحول التحولات الجارية إلى مناسبة للشماتة الداخلية. العقوبات والحصار وإضعاف أي بيئة لبنانية لا يمكن أن تكون انتصارًا للبنان، تمامًا كما أن استمرار الخوف المتبادل لا يمكن أن يصنع استقرارًا. نحن نعيش في بلد شديد الترابط؛ عندما يخاف جزء منه ينتقل الخوف عاجلًا أم آجلًا إلى الجميع، وعندما تنهار منطقة اقتصاديًا أو أمنيًا لا تبقى المناطق الأخرى محصّنة طويلًا. لذلك فإن أي حل حقيقي يجب أن يحفظ كرامة الناس بالقدر نفسه الذي يحفظ فيه سيادة الدولة.
ربما يكون ما نحتاج إليه اليوم انتقالًا هادئًا ومدروسًا من لبنان الذي تديره المخاوف المتبادلة إلى لبنان الذي تديره المؤسسات والثقة المتبادلة. وهذا الانتقال لا يمكن أن يُفرض بالقوة ولا أن يحدث بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى حوار وطني صريح وضمانات حقيقية وشجاعة من الجميع في مراجعة تجارب الماضي، من دون التنكر للتضحيات ومن دون تحويلها في الوقت نفسه إلى قيد على المستقبل. فالشعوب لا تتقدم عندما تمحو ذاكرتها، وإنما عندما تفهمها جيدًا ثم تقرر ألا تبقى أسيرة لها.
وعلى الرغم من قسوة المشهد، أجد في هذه اللحظة سببًا للأمل. ربما لأن اللبنانيين واللبنانيات، بعد كل ما مروا به، أصبحوا يعرفون ثمن انهيار الدولة والحرب والانقسام والارتهان للخارج. وقد تكون هذه المعرفة المؤلمة نفسها بداية وعي مختلف: أن أمن أي طائفة لا يمكن أن يقوم على خوف طائفة أخرى، وأن كرامة الجنوب ليست منفصلة عن كرامة بيروت أو الجبل أو البقاع أو الشمال، وأن حماية لبنان مسؤولية وطنية لا يمكن أن يحملها جزء من اللبنانيين وحده.
لهذا لا أريد أن أقرأ المرحلة المقبلة باعتبارها نهاية أحد، بل بداية احتمال جديد للبنان: دولة قوية من دون أن تكون قاسية، مستقلة من دون أن تكون معزولة، قادرة من دون أن تكون مستبدة، وجيش يحمي أرضًا يحتضنه أهلها، ومجتمع يفهم أخيرًا أن تنوعه لم يكن يومًا مشكلته، بل إن سوء إدارة هذا التنوع هو الذي أوصله مرارًا إلى حافة الانهيار.
لقد تعب لبنان من البحث عن غالب ومغلوب. وربما آن الأوان أن نخرج من هذه الثنائية كلها. فالمستقبل الذي يستحق أن نعمل من أجله ليس مستقبل طائفة أقوى وطائفة أضعف، ولا محور يتقدم ومحور يتراجع، بل وطن يستعيد تدريجيًا قراره ومؤسساته وثقة أبنائه. وعندما يصبح اللبناني أكثر اطمئنانًا إلى دولته وأقل خوفًا من شريكه في الوطن، نكون قد بدأنا فعلًا بالخروج من الحرب، ليس من حرب السلاح وحدها، بل من تلك الحرب الأعمق التي بقيت طويلًا في ذاكرتنا وفي طريقة نظرنا إلى بعضنا البعض.
وعندها لن يكون السؤال: مَن انتصر في لبنان؟ بل كيف انتصر لبنان بجميع أبنائه وبناته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير