من الطائفية إلى المواطنة : الوعي طريق السلام
تبدأ ثقافة السلام عندما نتعلم أن نراقب أنفسنا قبل أن نحاكم الآخر، وأن نستمع قبل أن نهاجم، وأن نفهم قبل أن نصنف.
خاص بوابة بيروت
في زمنٍ تتسع فيه الصراعات من حولنا، وتعود فيه الهويات الدينية والطائفية والسياسية لتضع الإنسان في مواجهة الإنسان، يبدو أن السؤال الأهم لم يعد فقط: كيف نوقف الحرب؟ بل: كيف نمنع الصراع من أن يدخل إلى داخلنا ويقسم مجتمعاتنا؟
نحن في لبنان والشرق الأوسط نعيش فوق أرض كانت مهداً للأديان والأنبياء والحضارات، ومع ذلك ما زلنا ندفع ثمن الانقسام والخوف من الآخر.
وربما علينا اليوم أن نعيد طرح السؤال من زاوية مختلفة:
ماذا لو بدأ السلام من وعي الإنسان بنفسه وبالآخر، ثم تحول هذا الوعي إلى مواطنة حقيقية؟
نحن مختلفون… لكن المواطنة تجمعنا
في لبنان قد نختلف في الدين والطائفة والانتماء السياسي والرؤية إلى الأحداث التي تجري حولنا. وقد نحمل ذاكرة مختلفة، ووجعاً مختلفاً، وحتى قراءة مختلفة للتاريخ.
لكن هناك حقيقة يجب أن تكون أكبر من كل ذلك:
نحن مواطنون في وطن واحد.
المواطنة لا تطلب من المسيحي أن يصبح مسلماً، ولا من المسلم أن يتخلى عن إيمانه، ولا من الدرزي أو أي مكوّن آخر أن يلغي خصوصيته.
إنها ببساطة تقول إن اختلافنا لا يجب أن يغيّر قيمة الإنسان ولا حقوقه ولا واجباته أمام الدولة.
فالدولة التي نريدها لا تسأل المواطن أولاً: من أي طائفة أنت؟
بل تقول له: أنت مواطن، وهذه حقوقك، وهذه مسؤولياتك.
وهنا يبدأ السلام السياسي من مبدأ إنساني بسيط: كرامة الإنسان متساوية.
الصراع الخارجي لا يجب أن يصبح صراعاً داخلياً
أخطر ما يحدث في زمن الحروب ليس فقط ما يجري على الحدود أو في ساحات القتال، بل انتقال الصراع إلى العلاقات بين الناس.
تدخل الحرب إلى البيت، وإلى الإعلام، وإلى مواقع التواصل، وإلى اللغة التي نستخدمها مع بعضنا.
وفجأة يصبح الجار المختلف سياسياً خصماً، والمواطن المختلف دينياً موضع شك، وتعود المخاوف القديمة إلى الظهور.
هنا تصبح مسؤولية الوعي أكبر.
يمكننا أن نختلف في قراءة الأحداث، ولكن لا يجوز أن نفقد إنسانيتنا بسبب هذا الاختلاف.
الوطن لا يستطيع أن يعيش إذا كان كل خلاف خارجي يتحول إلى انقسام داخلي.
الإنسان كائن متعدد الأبعاد
من النظرة الشمولية، الإنسان ليس جسداً فقط، ولا عقلاً فقط، ولا هوية دينية أو سياسية فقط.
الإنسان جسد وعقل ومشاعر وروح ووعي.
والمجتمع يشبه الإنسان إلى حد بعيد.
قد نبني المؤسسات والطرق والقوانين، لكن إذا بقي الإنسان أسير الخوف والغضب والتعصب، يبقى السلام هشاً.
لهذا أرى أن أحد الأبعاد التي نحتاج إلى استعادتها اليوم هو بُعد الوعي.
أن يسأل الإنسان نفسه:
من أنا قبل أن أكون ابن طائفتي؟
من أنا قبل أن أكون تابعاً لحزب؟
من أنا قبل أن أختلف مع الآخر؟
وفي النهاية نصل إلى أبسط إجابة:
أنا إنسان… وأنا مواطن.
من السلام الداخلي إلى السلام المجتمعي
السلام الداخلي ليس انعزالاً عن الواقع.
فالإنسان الذي لا يعرف كيف يتعامل مع خوفه قد يحوله إلى عداء. والإنسان الذي لم يتصالح مع ألمه قد ينقل هذا الألم إلى أسرته ومجتمعه. والخوف الجماعي، عندما تتم تغذيته باستمرار، يمكن أن يتحول إلى انقسام.
لذلك تبدأ ثقافة السلام عندما نتعلم أن نراقب أنفسنا قبل أن نحاكم الآخر، وأن نستمع قبل أن نهاجم، وأن نفهم قبل أن نصنف.
ثم تنتقل هذه الثقافة من الفرد إلى الأسرة، ومن الأسرة إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الوطن.
السلام الداخلي → السلام العائلي → السلام المجتمعي → المواطنة → السلام الوطني.
الروحانيات ليست سبباً للانقسام
عندما نعود إلى عمق تراث منطقتنا الروحي، نجد قيماً تتكرر بأسماء مختلفة: الرحمة، المحبة، القلب، النور، الغفران، خدمة الآخر، معرفة النفس وصناعة السلام.
في التصوف الإسلامي نجد تهذيب النفس والقرب من الله.
وفي التراث المسيحي نجد المحبة والغفران والتأمل وخدمة الإنسان.
وفي التقاليد الروحية الأخرى في المنطقة نجد أيضاً البحث عن الحكمة والمعرفة الداخلية.
هذا لا يعني أن العقائد متطابقة، ولا ينبغي أن نختصر اختلافاتها.
لكن الاختلاف العقائدي لا يمنع اللقاء على القيم الإنسانية المشتركة.
وهنا نستطيع الانتقال من فكرة «من هو الصحيح؟» إلى سؤال أكثر أهمية للمجتمع:
كيف نعيش معاً بكرامة وسلام رغم اختلافنا؟
من المعرفة إلى الوعي
وفي الفكر الروحي المرتبط بإدغار كايسي، نجد تركيزاً على الإنسان ككائن روحي، وعلى أهمية أن تتحول المعرفة إلى ممارسة في الحياة.
وهنا تكمن المسألة الأساسية.
ما قيمة الحديث عن المحبة إذا كنا نرفض المختلف؟
وما قيمة الصلاة إذا لم تجعلنا أكثر رحمة؟
وما قيمة المعرفة الروحية إذا لم تظهر في سلوكنا مع الإنسان الآخر؟
الاستنارة ليست كمية المعلومات التي نعرفها عن الروح، بل مقدار ما نستطيع تحويله منها إلى وعي ومحبة ومسؤولية وسلوك.
المواطنة هي الجسر
نحتاج في لبنان إلى إعادة بناء معنى المواطنة منذ الطفولة.
أن يتعلم الطفل أنه يستطيع أن يحب دينه وطائفته وتراثه، وفي الوقت نفسه يحب وطنه ويحترم شريكه في الوطن.
نحتاج إلى مدارس ومساحات شبابية ومبادرات بيئية واجتماعية تجمع الناس حول ما يوحدهم.
نزرع الأرض معاً.
نحمي البيئة معاً.
نخدم كبار السن معاً.
نساعد المحتاج دون أن نسأله عن طائفته.
نستمع إلى قصص بعضنا.
ونعلّم أبناءنا أن الاختلاف ليس تهديداً.
فالإنسان عندما يعمل مع الآخر ويشاركه الخبز والأرض والوجع والأمل، يصبح من الصعب اختصار هذا الآخر في طائفة أو حزب.
من «أنا» إلى «نحن»
ربما تكون إحدى أعلى درجات الوعي أن تتسع دائرة انتمائنا من دون أن نفقد جذورنا:
من أنا،
إلى عائلتي،
إلى طائفتي ومجتمعي،
إلى وطني،
ثم إلى الإنسانية.
المشكلة ليست في أن تكون لنا هويات متعددة.
المشكلة تبدأ عندما تتحول إحدى هذه الهويات إلى جدار يمنعنا من رؤية الإنسان في الجهة الأخرى.
لبنان الذي نريده
لبنان لا يحتاج إلى إلغاء طوائفه حتى يعيش بسلام.
يحتاج إلى دولة تكون فيها المواطنة أعلى من المحاصصة، والإنسان أعلى من التصنيف، والقانون واحداً للجميع.
وفي الوقت الذي تحاول فيه الصراعات المحيطة بنا أن تعيد تقسيم الناس إلى معسكرات وهويات متصارعة، يمكن للبنان أن يختار طريقاً آخر.
أن يقول:
نختلف، ولكننا لا نتقاتل بسبب اختلافنا.
نؤمن بطرق مختلفة، ولكننا نحمي بعضنا.
نناقش السياسة، ولكننا لا نفقد إنسانيتنا.
نحمل تاريخاً مؤلماً، ولكننا لا نسلّم هذا الألم إلى أولادنا كإرث جديد من الخوف.
الخلاصة: السلام وعي ومواطنة
ربما لا يحتاج شرقنا إلى فلسفة جديدة بقدر ما يحتاج إلى تحويل ما يعرفه منذ آلاف السنين إلى حياة يومية.
أن تصبح الصلاة سلاماً.
والمعرفة حكمة.
والإيمان رحمة.
والاختلاف حواراً.
والمواطنة شراكة.
والوطن مساحة تجمعنا جميعاً.
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
«طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون.»
وفي هذه المرحلة الصعبة التي يعيشها شرقنا، ربما تكون رسالتنا الأهم:
لا تسمحوا للصراعات من حولنا أن تصنع صراعاً بيننا.
نحن مختلفون في معتقداتنا وآرائنا وانتماءاتنا، ولكن تجمعنا المواطنة، وتجمعنا الأرض، وتجمعنا كرامة الإنسان.
ومن هنا يبدأ السلام: من الإنسان… إلى الإنسان.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير