بين التنمية وحماية البيئة… أين يقف القانون؟
شقّ الطرقات وتوسيعها، فيجب تقييمه انطلاقاً من قدرته الفعلية على تحسين التنقّل. هل دُرست بدائل النقل المشترك وتحسين الشبكة القائمة؟ وهل تبرّر الفائدة المتوقّعة خسارة غابة أو تشويه جبل أو تقطيع موائل طبيعية؟
خاص بوابة بيروت
يحتاج لبنان إلى الكهرباء والمياه والطرقات والمرافئ، وإلى إعادة إعمار ما دمّرته الحرب. ويحتاج الناس إلى مساكن وفرص عمل وخدمات تتيح لهم العيش بكرامة. لكن هذه الحاجات تفرض سؤالاً أساسياً: كيف نحقّق التنمية مع حماية صحّة الإنسان والموارد الطبيعية وحقوق الأجيال المقبلة؟
حين يُطرح مشروع إنمائي، غالباً ما يُقدَّم النقاش وكأنّ علينا الاختيار بين تنفيذه وبين استمرار الحرمان. ويصبح الاعتراض على موقعه أو حجمه أو طريقة تنفيذه اعتراضاً على التنمية نفسها. بهذه الطريقة، تُهمَّش أسئلة مشروعة: هل المشروع هو الحلّ الأنسب؟ هل دُرست بدائله؟ مَن يستفيد منه، ومَن يتحمّل أضراره؟ وهل حُسبت كلفته البيئية والصحية والاجتماعية إلى جانب كلفته المالية؟
في لبنان، يوجد إطار قانوني لهذا النقاش. فقانون حماية البيئة رقم ٤٤٤/٢٠٠٢ يكرّس مبادئ الاحتراس والوقاية والملوّث يدفع، ويجعل تقييم الأثر البيئي أداة للتخطيط والإدارة. وتُلزم المادة ٢١ الجهات المعنية في القطاعين العام والخاص بإجراء دراسات الفحص البيئي المبدئي أو تقييم الأثر البيئي للمشاريع التي قد تهدّد البيئة، وتُخضعها لمراجعة وزارة البيئة. كما يشمل مفهوم المشروع في المادة ٢٢ أعمال التعديل والتوسيع وإعادة التأهيل.
وجاء مرسوم أصول تقييم الأثر البيئي رقم ٨٦٣٣، الصادر في ٧ آب ٢٠١٢، لينظّم هذا المسار. فالتقييم يجب أن يسبق قرار الموافقة على المشروع أو رفضه، وأن يبحث البدائل، بما فيها خيار عدم تنفيذ المشروع، ويحدّد تدابير الحدّ من الأضرار. ويتضمّن المرسوم مشاركة الجمهور المعني، وإتاحة التقارير النهائية ضمن الضوابط المحدّدة، والالتزام بخطة إدارة بيئية ومراقبة تطبيقها خلال الإنشاء والتشغيل والتفكيك.
المعيار إذاً هو أن تؤثّر الدراسة في القرار: أن تسمح بتعديل المشروع أو تغيير موقعه أو اختيار بديل أفضل، وأن تتيح رفضه عندما تكون أضراره غير مقبولة. أمّا إعدادها بعد حسم الخيارات الأساسية، فيفرغها من وظيفتها الوقائية.
في ملف المياه، مثلاً، لا يكفي تبرير بناء سدّ بالحاجة إلى تأمين مياه الشرب والري. المطلوب مقارنة قدرته وكلفته ومخاطره ببدائل تشمل إصلاح شبكات التوزيع وخفض الهدر، وحماية الينابيع والمياه الجوفية، ومعالجة مصادر التلوّث. ويجب تقييم ملاءمة الموقع جيولوجياً، واحتمالات التسرّب، والتأثير في النهر والأراضي الزراعية والتنوّع البيولوجي والسكان. وقد أدرج المرسوم إنشاء السدود والبحيرات الاصطناعية ضمن المشاريع التي تستلزم حكماً تقرير تقييم أثر بيئي.
وفي أيّ مشروع لتوسيع مرفأ بيروت، ينبغي أن يقترن البحث في المردود الاقتصادي بتقييم الأثر على الساحل والبيئة البحرية والأحياء المجاورة، وعلى حركة الشاحنات والضجيج ونوعية الهواء. فنجاح المرفأ يرتبط أيضاً بعلاقته بالمدينة وقدرتها على استيعاب نشاطه.
والأمر نفسه ينطبق على معامل إنتاج الطاقة. تأمين الكهرباء ضرورة ملحّة، لكن اختيار الموقع والوقود والتكنولوجيا، وضبط الانبعاثات والتصريف، عوامل تحدّد مقدار ما يتحمّله السكان والبحر والهواء من أضرار. والحاجة إلى الطاقة تستدعي تدقيقاً جدّياً في الخيارات المطروحة وكلفتها طوال عمر المشروع.
أمّا شقّ الطرقات وتوسيعها، فيجب تقييمه انطلاقاً من قدرته الفعلية على تحسين التنقّل. هل دُرست بدائل النقل المشترك وتحسين الشبكة القائمة؟ وهل تبرّر الفائدة المتوقّعة خسارة غابة أو تشويه جبل أو تقطيع موائل طبيعية؟
وتطرح ردميات الحرب مسؤولية مضاعفة. فإزالة الركام ضرورية لعودة الناس وإعادة الإعمار، وتتطلّب فحص المواد وفرزها، وتحديد ما يمكن إعادة استخدامه أو تدويره، وتأمين مواقع معالجة وتخلّص مناسبة. وإلقاؤها في البحر أو الأودية أو الأراضي الزراعية قد ينقل آثار الدمار إلى مناطق أخرى ويضيف إليها أضراراً جديدة.
وتظهر القضية نفسها، على مستوى الحياة اليومية، في ضجيج الورش وغبارها. حقّ البناء يقابله حقّ السكان في الراحة والصحّة، وحقّ المشاة في استعمال الأرصفة بأمان. وقد تناول قانون حماية البيئة الضجيج وفرض الالتزام بالحدود القصوى المسموح بها؛ فتراخيص العمل تقترن بموجبات الحماية والرقابة.
في كلّ هذه الأمثلة، هناك كلفة قد تغيب عن موازنة المشروع، لكنها تظهر في حياة الناس: علاج الأمراض، وخسارة مورد رزق، وتلوّث المياه، وتراجع نوعية السكن، وضياع مساحة طبيعية يصعب تعويضها.
لذلك، تقع على الوزارات والإدارات والبلديات وأصحاب المشاريع مسؤولية إدخال الاعتبارات البيئية في صلب القرار، وإتاحة الدراسات ومناقشة البدائل مع المتأثّرين، ثم مراقبة التنفيذ ومحاسبة المخالفين.
المطلوب أن نُنجز المشاريع التي يحتاجها الناس، وأن نضمن قدرتها على خدمتهم من دون تقويض مقوّمات حياتهم. فالمياه النظيفة والهواء السليم والطبيعة المعافاة موارد تقوم عليها التنمية، وحمايتها امتحان لجدّية الدولة في تطبيق القانون ورعاية المصلحة العامة.
بول ابي راشد