عصر السيولة السياسية : حين تتبدل المواقف أسرع من الأحداث

بقلم خلود وتار قاسم

أكثر ما يثير القلق في عالم اليوم ليس احتمال اندلاع الحروب، بل تراجع قيمة الكلمة السياسية نفسها.

كان هناك زمن، سواء اتفقنا مع قادة ذلك الزمن أم اختلفنا، كانت فيه التصريحات الرسمية تُحسب بدقة لأنها تعكس قراراً سياسياً حقيقياً. عندما يتحدث رئيس دولة عظمى، أو يعلن وزير دفاع موقفاً، أو يصدر بيان رسمي، كان العالم يفترض أن وراء الكلمات مؤسسات ودراسات واستراتيجيات ومسؤولية سياسية.

أما اليوم، فيبدو أننا نعيش في عصر مختلف. عصر أصبحت فيه التصريحات تتبدل خلال ساعات، والمواقف تتغير بين تغريدة وأخرى، والتهديدات الكبرى تتحول إلى عناوين عاجلة ثم تختفي وكأن شيئاً لم يكن.

لم تعد المشكلة في احتمال الحرب فقط، بل في تآكل هيبة القرار السياسي نفسه.

فكيف يمكن للأسواق أن تستقر إذا كانت التصريحات غير مستقرة؟ وكيف يمكن للشعوب أن تشعر بالأمان إذا كانت القرارات المصيرية تُدار بمنطق ردود الفعل الإعلامية؟ وكيف يمكن للمجتمع الدولي أن يثق بقيادة عالمية أصبحت أسيرة استطلاعات الرأي والشاشات ومنصات التواصل أكثر مما هي أسيرة الرؤية الاستراتيجية طويلة المدى؟

في الماضي، كان القادة يصنعون الأحداث، أما اليوم فكثيراً ما يبدو أن الأحداث الإعلامية هي التي تصنع القادة.

لهذا أصبح من المشروع أن نتساءل: عندما نسمع تهديداً بالحرب ثم إلغاءً للحرب، ثم عودة للتهديد، ثم حديثاً عن التفاوض، هل نحن أمام استراتيجية سياسية واضحة؟ أم أمام إدارة يومية للمشهد الإعلامي والمالي؟

السؤال هنا لا يتعلق بدولة بعينها، بل بطبيعة النظام الدولي كله.

فالعالم يعيش حالة غير مسبوقة من السيولة السياسية. لم تعد هناك يقينيات كبرى، ولا زعامات تمتلك الوزن الأخلاقي والسياسي الذي كان يميز قادة المراحل السابقة. وأصبحت القرارات المصيرية تُعلن أحياناً بالطريقة نفسها التي تُعلن بها الشركات عن منتجات جديدة أو تعديلات في خططها التسويقية.

وسط هذا المشهد، تتحرك الأسواق بعنف مع كل تصريح. يرتفع النفط، يهبط الذهب، تتراجع الأسهم ثم ترتفع مجدداً. وكأن الاقتصاد العالمي أصبح يتفاعل مع الكلمات أكثر مما يتفاعل مع الوقائع على الأرض.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يفارقني:

هل ما نشهده صراع حقيقي على النفوذ والموارد والطاقة والممرات الاستراتيجية؟ أم أن جزءاً متزايداً من المشهد أصبح قائماً على إدارة التوتر نفسه؟

فالحرب الشاملة مكلفة للجميع، والسلام الشامل لا يخدم بالضرورة مصالح الجميع. أما البقاء على حافة الهاوية، فيخلق حالة مثالية لبعض القوى السياسية والاقتصادية والمالية: توتر يكفي لتحريك الأسواق، وخوف يكفي لتبرير السياسات، وأزمة تكفي لإبقاء الجميع في حالة انتظار.

لذلك ربما لم تعد القضية من يربح الحرب، بل من يربح من استمرار احتمال الحرب.

وربما تكون المأساة الكبرى أن العالم لم يعد رهينة الصواريخ وحدها، بل أصبح رهينة التصريحات أيضاً. تصريحات قد تمحو أو تخلق مئات المليارات من الدولارات خلال ساعات، بينما تبقى الشعوب هي الطرف الوحيد الذي لا يملك رفاهية التعامل مع الأزمات كأرقام على شاشة.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك