
كاتب سياسي
القيادة قبل السلطة، هكذا تُبنى الأوطان
خاص بوابة بيروت
في الدول التي حققت التنمية والازدهار والاستقرار، لا يُنظر إلى السياسة على أنها وظيفة تدرّ النفوذ والمكاسب، بل باعتبارها رسالة وطنية ومسؤولية أخلاقية والتزاماً تجاه المجتمع. فالسياسي الحقيقي ليس من يجيد الخطابات والشعارات، بل من يترك أثراً ملموساً في حياة الناس، ويقود بلاده نحو مستقبل أفضل.
السياسة في جوهرها ليست مهنة، بل قيادة وخدمة وتضحية. إنها القدرة على اتخاذ القرارات الصعبة من أجل المصلحة العامة، ووضع الوطن فوق المصالح الشخصية والحزبية والفئوية. وعندما تتحول السياسة إلى وسيلة لتحقيق المكاسب الخاصة، تبدأ الدول بالتراجع وتدخل في دوامة الأزمات والانقسامات.
في الدول المتقدمة، يدرك المسؤولون أن ثقة المواطنين هي رأس المال الحقيقي لأي سياسي. لذلك نجد رؤساء حكومات ووزراء يستقيلون بسبب أخطاء إدارية أو شبهات بسيطة احتراماً للرأي العام وتحملًا للمسؤولية السياسية. ففي اليابان، تُعد ثقافة الاعتذار والاستقالة جزءاً من منظومة الحكم الرشيد. وفي دول شمال أوروبا، تُبنى السياسات العامة على الشفافية والكفاءة والمساءلة، ما جعل هذه الدول تتصدر مؤشرات التنمية وجودة الحياة ومكافحة الفساد.
أما في لبنان، فقد شهد المواطنون على مدى عقود نموذجاً مختلفاً، حيث طغت الحسابات السياسية الضيقة على متطلبات الدولة، وتقدمت المصالح الفئوية على المصلحة الوطنية. وبينما كانت دول عديدة تستثمر في التعليم والتكنولوجيا والبنية التحتية والاقتصاد المنتج، كان لبنان يغرق أكثر فأكثر في أزمات مالية واقتصادية ومؤسساتية غير مسبوقة.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول لا تنهض بالشعارات، بل بالرؤية والقيادة والإدارة السليمة. فسنغافورة، التي كانت قبل عقود قليلة دولة محدودة الموارد، أصبحت اليوم واحدة من أكثر الاقتصادات تنافسية في العالم بفضل قيادة آمنت بالكفاءة والنزاهة والعمل المؤسسي. وألمانيا، التي خرجت مدمرة من الحرب العالمية الثانية، استطاعت أن تتحول إلى قوة اقتصادية عالمية بفضل التخطيط والإنتاجية واحترام القانون والمؤسسات.
في المقابل، فإن أحد أبرز أسباب تعثر لبنان يكمن في غياب مفهوم الدولة الحديثة لدى جزء كبير من الطبقة السياسية، حيث جرى التعامل مع مؤسسات الدولة باعتبارها أدوات نفوذ وتقاسم مصالح، بدلاً من كونها مؤسسات لخدمة المواطنين. والنتيجة كانت تراجع الخدمات الأساسية، وهجرة الكفاءات، وتآكل الثقة بين المواطن والدولة.
السياسة الناجحة لا تُقاس بعدد السنوات التي يمضيها المسؤول في منصبه، بل بما يحققه من إنجازات. فالقائد الحقيقي هو من يخلق فرص العمل للشباب، ويحمي المال العام، ويعزز استقلالية القضاء، ويؤسس لاقتصاد قوي، ويضمن مستقبلاً أفضل للأجيال القادمة.
لقد آن الأوان لإعادة تعريف العمل السياسي في لبنان. المطلوب ليس مزيداً من الخطابات والانقسامات، بل رجال دولة يمتلكون رؤية وطنية تتجاوز الحسابات الضيقة. المطلوب سياسيون يعتبرون أنفسهم خداماً للوطن لا أوصياء عليه، ويؤمنون بأن السلطة تكليف لا تشريف، ومسؤولية لا امتياز.
إن الأمم لا تُبنى بالصدفة، ولا ترتفع بالوعود الفارغة. إنها تُبنى بقيادات تضع الإنسان في قلب أولوياتها، وتؤمن بأن خدمة المواطن هي أعلى درجات العمل السياسي. وعندما يدرك السياسي أن منصبه وسيلة لخدمة الوطن لا لخدمة نفسه، تبدأ رحلة النهوض الحقيقي، وتُفتح أبواب المستقبل أمام الأجيال القادمة.
فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست مهنة ولا تجارة ولا استثماراً شخصياً؛ إنها رسالة وطنية نبيلة. وعندما تتحول إلى رسالة، تُبنى الأوطان، وتزدهر المجتمعات، وتُصنع الأمم العظيمة.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير