حيِّدوه تُخَلِّصوه

بقلم عقل العويط

يُقال ما يُقال عن اتّفاقٍ على وشك أنْ يُبرَم بين إيران والولايات المتّحدة، أو قد يكون أُبرِم، وستظهر مفاعيله تباعًا، في الشرق الأوسط، وهنا.

افهموا جيّدًا ونهائيًّا: المفاوضات دولتُنا وحدها تجريها، ووحدها تعقد الاتّفاقات. فليس لأحدٍ في الخارج أو في الداخل يجريها ويبرمها عنّا.

وإنّما لأنّي لا أبحث عمّا تبحث عنه إيران الحرس الثوريّ ووليّها الفقيه و”حزبها الإلهيّ” الأشمّ في ربوعنا المضرّجة، ولا ما تبحث عنه أميركا، وسوريا، ولا خصوصًا وأيضًا إسرائيل، بل أبحث فحسب عن النأي بلبنان كلّه، دولته وأراضيه وحدوده وجروحه ودموعه وأهله جميعهم عن الجحيم.

لقد رأيتُ اليوم ما رأيتُه أمس، وقد رأيتُ ما لا بدّ من أنّي سأراه غدًا، وبعد بعد غد.

لا فائدة من التوهّم والتغوّل في أيّ اتّجاه، ولا من الارتماء هنا، ولا من الارتماء هناك، ولا من الإيغال في الانتحار ونحر الذات والجماعات، ولا من العيش (أو النوم أو الموت) في أحضان مرشدٍ ووليٍّ فقيهٍ وإيرانيٍّ وإسرائيليٍّ وأميركيٍّ وسوريٍّ وجارٍ، وسوى هؤلاء. ولا فائدة من أوهام الانتصارات والهزائم والتخريفات، ولا من الانحياز، والإسناد، وطمر الرؤوس في الرمال، ولا من الهرب إلى أمام أو وراء.

لن يصدق معنا أحدٌ من هؤلاء، ولن يخلّصنا أحدٌ. وليس لأيّ اتّفاقٍ خارجيّ (في غياب لبنان) أنْ يعطي لبنان ما يرتجيه لبنان لوجوده ولنفسه.

فليس للبنان أحدٌ، إلّا نحن والدولة.

لن يكون له أحدٌ في أيّ يومٍ، إلّا نحن، على ما نحن عليه من رزايا وعيوب.

ولن يكون لنا سوى الدولة، على ما هي عليه الدولة من تآكلٍ وانحطاطٍ وفسادٍ وتخلّفٍ وخراب.

ليس من ملائكةٍ يرشدوننا إلى طريق. ليس من ملائكة.

وليس من سماءٍ. وليس من نجمةٍ. ولا من مجوسٍ. وليس من آلهةٍ. ولا دول. ولا قادة دول. ولا إيديولوجيا. ولا أحزاب. ولا رؤساء أحزاب. ولا سلاح. ولا حروب. ولا أحلاف.

وها كلّ مَن يردّدون أنّ لبنان هو قلب إيران، وفي قلب أميركا، ليس في مقدورهم (ولا هم يريدون) أنْ يعيدوا إلينا كتابًا واحدًا ممّا فقدناه، ولا حجرًا، ولا سقفًا، ولا شجرةً، ولا ظلًّا، ولا نقطة دم، ولا أنْ يزيحوا مقبرةً، ولا ضريحًا واحدًا عن جبل عامل وجسد لبنان.

ولبنان هذا، لن يبقى لبنان، ولا أهله سيبقون، ولا أراضيه، ولا قتلاه، ولا الشهداء، ولا الضحايا، ولا البيوت، ولا حجارة البيوت، ولا الحاضر، ولا المستقبل، إذا ظللنا نوهم أنفسنا بأنّ للبنان أحدًا يريده من أجل لبنان ذاته.

ليس لنا أحدٌ إلّا نحن والدولة.

وإذا لم نفهم، أو لم نرد أنْ نفهم، فآنذاك، وهو الزمن الآن، لن ينفع بمقيمين في عراءٍ، ولا تحت سقوفٍ آمنة، أو مرتمين في الأحضان هنا وهناك، لن ينفع بهم ندمٌ ولا تبكيتٌ. وليس من المفيد التكرار لمَن لا يبتغي فائدةً من تكرار.

وإنّما الحلّ وحيدٌ ومعروفٌ، وخطّة الطريق إليه وحيدةٌ ومعروفةٌ: حيِّدوه.

1- حيِّدوه عن الخارج، شرقًا وغربًا وشمالًا ومن الجنوب. ولا استثناء. ورسِّموا حدوده التاريخيّة كلّها وفورًا. فليس لنا أحدٌ من خارج. ولن يكون لنا أحدٌ من خارج.

2- ومن داخل أيضًا حيِّدوه، بـ”تحييد” جماعاته وطوائفه ومذاهبه، وذلك داخل هيكليّات الدولة وضمنها. فلا مفرّ من تحييدٍ كهذا، وبكلّ السبل والحلول البنيويّة والإجرائيّة المرنة، أيًّا تكن، بحيث يد الدولة المركزيّة لا يد سواها، وفوق كلّ يدٍ، وبدستورها، وأدواتها، وقضائها، وقوّاتها المسلّحة. ولو اقتضى الأمر، وضع لبنان تحت اليد الدوليّة.

حيِّدوه تخلصوا وتُخَلِّصوه.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك