هل يتجه لبنان نحو الانفجار الاقتصادي والاجتماعي قبل الدخول بالعام الدراسي؟
خاص بوابة بيروت
دون شك، إن الحرب الدائرة في المنطقة، وما يرافقها من اضطرابات في حركة التجارة والملاحة والطاقة، بدأت تلقي بظلال ثقيلة على الاقتصاد العالمي، فيما يواجه الاقتصاد اللبناني أصلاً واحدة من أصعب مراحله في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار وتقلص فرص العمل والدخل.
وإذا ما استمرت الحرب في التوسع، فإن تداعياتها لن تبقى محصورة في ساحات القتال، بل ستنتقل بصورة أكبر إلى الأسواق، وأسعار النفط والمواد الغذائية، وكلفة النقل والتأمين، وحركة الاستيراد والتصدير. وفي منطقة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد والتحويلات الخارجية، يصبح أي اضطراب إقليمي سريعاً أزمة معيشية داخلية.
العالم اليوم أمام معادلة اقتصادية شديدة الخطورة: تباطؤ في النمو، تضخم مرتفع، واضطراب في سلاسل الإمداد والطاقة. وهذه الحالة، التي تُعرف اقتصادياً بـ«الركود التضخمي» (Stagflation)، تعني أن المواطن يدفع ثمن ارتفاع الأسعار في وقت تتراجع فيه فرص العمل والدخل.
لكن الحرب الاقتصادية الكبرى لا تقل خطورة عن الحرب العسكرية. فالتنافس بين الولايات المتحدة والصين، والصراع على مصادر الطاقة وطرق نقلها، والتوتر حول النفط الإيراني، كلها عوامل يمكن أن تعيد رسم خريطة التجارة العالمية. وأي تراجع في إمدادات النفط أو ارتفاع في كلفة نقله سينعكس حكماً على أسعار الطاقة والسلع والخدمات في مختلف دول العالم.
وفي أوروبا، كما في دول المنطقة، يصبح الشتاء هاجساً اقتصادياً بقدر ما هو هاجس سياسي وأمني، بينما تواجه دول أخرى ضغوطاً متزايدة على موازناتها وأسواقها وعملاتها. ومع تغير التحالفات الإقليمية والدولية، تبدو المنطقة أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات عديدة، لا سيما إذا اتسعت رقعة الصراع أو تضررت طرق الملاحة والتجارة.
وسط كل ذلك، يبقى لبنان الحلقة الأضعف.
فالمواطن اللبناني يعيش أصلاً تحت ضغط اقتصادي واجتماعي هائل. الدخل لم يعد يواكب الارتفاع المتواصل في الأسعار، والطبقة الوسطى تتآكل، فيما أصبحت الأسر عاجزة عن تأمين أبسط احتياجاتها من الغذاء والسكن والطبابة والتعليم.
أما التحويلات الخارجية، التي شكلت على مدى سنوات رئة أساسية للاقتصاد اللبناني، فهي أيضاً عرضة للضغط. فالمغترب اللبناني الذي يعمل في الخارج أصبح أكثر حرصاً على الحفاظ على وظيفته ودخله في ظل الأوضاع الاقتصادية والأمنية المتقلبة في المنطقة. وأي تراجع في فرص العمل في دول الخليج أو غيرها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية التي تعتمد على تحويلات أبنائها.
وهنا نصل إلى المشكلة الأكثر إلحاحاً: العام الدراسي الجديد.
مع اقتراب شهر أيلول، تستعد العائلات اللبنانية لمواجهة موسم من المصاريف التي لم تعد تحتملها مداخيلها. أقساط المدارس، والكتب، والقرطاسية، والنقل، والملابس، والمصاريف الجامعية، كلها أصبحت تشكل عبئاً هائلاً على الأسرة اللبنانية.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بجدية هو: كيف ستتمكن العائلات التي تكافح لتأمين الغذاء والدواء والسكن من تأمين التعليم لأبنائها؟
إن الخطر لا يكمن فقط في ارتفاع الأقساط، بل في تراكم الأزمات. فعندما تجتمع كلفة التعليم مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والنقل والطاقة، ومع تراجع الدخل وفرص العمل، تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية حقيقية.
وفي المقابل، لا يبدو أن الدولة تمتلك حتى الآن رؤية واضحة وشاملة لمعالجة جذور الأزمة. فبدلاً من التركيز على تحفيز الإنتاج وخلق فرص العمل وتوسيع مصادر الدخل، يجد المواطن نفسه أمام المزيد من الضرائب والرسوم التي تصيب، في كثير من الأحيان، الفئات الأكثر فقراً والأقل قدرة على التحمل.
رفع الضرائب في اقتصاد يعاني من الركود لا يمكن أن يكون الحل الوحيد. المطلوب هو إعادة تحريك عجلة الإنتاج، وتشجيع الاستثمار، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وحماية القدرة الشرائية، وتأمين بيئة تسمح للشباب بالعمل داخل لبنان بدلاً من دفعهم إلى الهجرة.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المسكنات، بل إلى خطة اقتصادية واجتماعية طارئة.
فإذا دخل العام الدراسي الجديد فيما تستمر الأسعار بالارتفاع والدخول بالانخفاض، فإن الأزمة قد تنتقل من أزمة اقتصادية إلى انفجار اجتماعي، خصوصاً إذا ترافقت مع أي تصعيد عسكري جديد أو توسع في الحرب الإقليمية.
وقد لا يكون الانفجار بالضرورة في الشارع وحده؛ فقد يظهر في ترك الطلاب مدارسهم، وعجز الأسر عن دفع الأقساط، وإغلاق المؤسسات، وزيادة البطالة، وتصاعد الهجرة، واتساع رقعة الفقر، وفقدان المواطن الثقة بقدرته على تأمين مستقبل أبنائه.
إن لبنان يقف أمام مرحلة دقيقة جداً. والوقت لم يعد يسمح بالانتظار أو بالمعالجات الجزئية. المطلوب أن تدرك الدولة أن حماية المواطن من الانهيار الاجتماعي ليست ترفاً، وأن التعليم تحديداً يجب أن يبقى حقاً أساسياً لا يتحول إلى امتياز لا يستطيع تحمّله إلا الميسورون.
قبل أن يبدأ العام الدراسي، وقبل أن تجد آلاف العائلات نفسها أمام سؤال «كيف سندفع؟»، المطلوب أن تتحرك الحكومة، وأن تضع خطة واضحة لتخفيف الأعباء عن المواطنين، بالتوازي مع خطة اقتصادية حقيقية تعيد إنتاج النمو وتخلق فرص العمل وتحد من التضخم.
فالسؤال لم يعد: هل لبنان يواجه أزمة؟
الأزمة موجودة بالفعل.
السؤال الحقيقي هو: هل نتحرك قبل أن تتحول الأزمة الاقتصادية والاجتماعية إلى انفجار كبير؟
وهل من يسمع؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
