بانوراما الحروب القادمة

لبنان اليوم بين الحرب التي لم تنتهِ والسلام الذي لم يبدأ. إسرائيل لن تنسحب، ومسار التفاوض يتعثر، والسلاح لن يصبح حكرًا فعليًا على الدولة طالما هذا العقل الانتحاري يتحكّم بمنظّمة حزب الله ورئيسها ومرشده "الكرتونيّ". سيبقى لبنان في وضعيّة الهدنة المؤجلة بانتظار الحرب التي كانت مؤجلة، وباتت تقرع الأبواب.

خاص بوابة بيروت

يستمرّ الاسرائيلي في تثبيت خطوط السيطرة ومفاعيل تفوّقه ميدانيًّا قبل استكمال مسار التفاوض الذي على ما يبدو بات معلّقًا بانتظار نتائج أكثر حسمًا. وهذا ما سيؤمّن له في الأيّام القادمة التمركز في نقاط متقدّمة وحاكمة، ستشكّل بالنسبة إليه تحوّلًا استراتيجيًّا في معركته الوجوديّة.

وهذا ما ترجمه في تكثيف للغارات على القطاعين الغربي والأوسط وتمركز الغارات الجوية على بلدات محيط صور، يارون، وبنت جبيل، مع محاولات توغل واستطلاع على أطراف القطاع الغربي.

القصور الديبلوماسي

يُظهر التباين النيابي عمق الأزمة الدستورية؛ إذ تسعى بعض القوى لربط أي حراك سياسي بتغيير المعادلات على الأرض. وهذا ما بدت عاجزة عنه قوى الممانعة بعد التغيير الذي نجح الاسرائيلي بفرضه. فيما ذهب الاتّجاه إلى معركة من نوع آخر حول إمكانيّة التجديد لليونيفيل في تحدٍّ واضح للرأي الأميركي الرّافض لهذا التجديد؛ حيث كثف المسؤولون اللبنانيون اتصالاتهم مع الجانب الفرنسي والمندوبين الدوليين مع اقتراب موعد تصويت مجلس الأمن على قرار تمديد مهام “اليونيفيل”.

كما يبدو من هذا المسار القصور في نظر مَن يدير الملفّ الديبلوماسي في فريق العهد. ولا سيّما بعد التحدّي الذي رفع سقفه في منح السفير الإيراني غير المرغوب فيه إقامة مجاملة، في ممارسة فاضحة ضدّ المسار الدّولي بالكامل. لكأنّ مفهوم السيادة من وجهة النّظر البعثيّة يتجدّد، فيما الوطن الذي كان وطن البعث ودمّره رئيسه، بات قبلة أنظار دول العالم كلّه في نهضة يطلقها ويعلي سهامها كلّ يوم أكثر من يوم.

نوستالجيا الأم الحنون

لا زال هؤلاء النوستلجيّون كلّهم يعتقدون أنّ فرنسا تستطيع اليوم أن تلعب دور ضابط الايقاع في تنفيذ القرار الأممي 1701 والحفاظ على قواعد إشتباك ممجوجة. في تحدٍّ فاضح لدور واشنطن عبر منعها من إدخال أيّ تعديلات جوهريّة على طبيعة مهام هذه القوّات.

فلبنان اليوم بين الحرب التي لم تنتهِ والسلام الذي لم يبدأ. إسرائيل لن تنسحب، ومسار التفاوض يتعثر، والسلاح لن يصبح حكرًا فعليًا على الدولة طالما هذا العقل الانتحاري يتحكّم بمنظّمة حزب الله ورئيسها ومرشده “الكرتونيّ”. سيبقى لبنان في وضعيّة الهدنة المؤجلة بانتظار الحرب التي كانت مؤجلة، وباتت تقرع الأبواب.

وذلك كلّه في ضوء ازدواجيّة عاش بحكمها اللبنانيون طوال أربعة عقود ونيّف ما بين السلاح والدولة. حتّى صارت المشكلة تطرح من باب القرار أم في القدرة على تنفيذه. فالقرارات السياسية التي اتّخذتها الحكوم واضحة، لكن التجربة اللبنانية منذ اتفاق الطائف تُظهر أن الاعتراف بحصرية السلاح للدولة شيء، والقدرة العملية على تحقيقها شيء آخر. وهذا ما زال يتكرّر حتّى في العهد الجديد الذي عوّل على حكمته اللبنانيّون كلّهم.

ناقوس الخطر الفاتيكانيّ

فيما بدا لافتًا دخول الفاتيكان على خط الأزمة اللبنانية من عدّة مسارات: فمن بوابة السيادة وبعد لقاء الرئيس جوزاف عون والبابا في 20 آب، برزت «مخاوف جدية» من تعثر تنفيذ الترتيبات بين لبنان وإسرائيل. وعندها الفاتيكان وبكركي معًا حاولا أن يكونا صوتًا للسيادة فيما تعجز الدولة عن فرضها.

أمّا البوابة الثانية فكانت في تطوّر كنسيّ لافت، تجلّى في 29 آب 2026، عندما اتّخذ البابا لاون الرابع عشر خطوة كنسية بالغة الدلالة، بإقراره آلية قانونية جديدة تمنح مجامع أساقفة الكنائس الشرقية الكاثوليكية صلاحية الشروع في إجراءات عزل البطريرك عندما تبلغ العلاقة بينه وبين أساقفة كنيسته، لأسباب خطيرة، مرحلةً يصبح فيها إصلاح الشركة الكنسية متعذرًا. ويشترط القرار أغلبية الثلثين، مع ضمان حقّ البطريرك في الدفاع عن نفسه، فيما لا يصبح العزل نافذًا إلا بعد موافقة البابا.

إنها خطوة تتجاوز تعديلًا قانونيًا تقنيًا، لتكرّس مبدأً بالغ الأهمية: فلا سلطة، مهما علت داخل الهرم الكنسي، يمكن أن تبقى بمنأى عن المساءلة عندما تتحول إلى سبب لانقسام الشركة التي وُجدت أساسًا لحمايتها. ولعلّ هذا القانون تمّ إقراره بعد رفض البطريرك التجاوب مع الفاتيكان بالتقاعد الطّوعي لاعتبارات فاتيكانيّة تجلّت في عدم رضا رأس الكنيسة الكاثوليكيّة عمّا أسمته تجاوزات كنسيّة في ما عُرف إعلاميًا بـ«التقرير الأسود»، الذي تحدث عن تراجع دور بكركي وضعف قدرتها على جمع المسيحيين واستعادة تأثيرها الوطني.

حيث نعود بالذاكرة إلى حزيران 2015، عندما جاءت زيارة الكاردينال دومينيك مامبرتي إلى لبنان، وفي 15 تشرين الأول من العام نفسه أيضًا فبدأت تتسرّب تفاصيل حول مدى خطورة هذه التجاوزات لكن، وبعد أكثر من عقد، يبدو السؤال نفسه مطروحًا اليوم: هل آن أوان التغيير في كنيسة لبنان لتتمكّن من استعادة الدّور المفقود؟

الإقليم بين الأحلاف القادمة والحروب الدائمة

إقليميًّا، بدا لافتًا تغيّر الخطاب الإيراني على وقع طوابير الجوع التي سبّبها الانزال الاقتصادي الأميركي الذي فرضه الرئيس ترامب. حيث انتقلت إيران من تصدير النفوذ إلى طلب الوحدة الذي تجلّى في دعوة القيادة الإيرانية إلى «وحدة المسلمين». وهذا ما كرّس مبدأ نجاح الحصار الذي فرضه الرئيس ترامب. وفي حال عدم تراجعه عنه سيؤدّي ذلك إلى سقوط الهيكل الإيراني بأقلّ ضرر ممكن على العالم كلّه، وعلى الشعب الأميركي بالتّحديد. فإيران أضحت أعجز من أن تعيد ترتيب نفوذها في المنطقة بعد حربٍ غيّرت الإقليم وتوازناته.

ذلك كلّه حاصل برغم أنّ المنتصرين هم بلا انتصار وهذه الحرب حتّى الساعة لم تنتج الاستقرار الذي هو الهدف، بل هزّت التحالفات الخليجيّة وأنتجت اتّفاقيّات دفاعيّة جديدة إن كان بين المملكة وباكستان من جهة وبين المملكة وباكستان وتركيا من جهة ثانية، فيما بدا وكأنّه حلف دينيّ جديد بدأت نواته تتمظهر، وبدأ الإسرائيلي يشعر بالخطر من ولادته ويعتبره سببًا جديدًا لحربه القادمة. فهل مكتوب على الشرق الأوسط أن يبقى بحالة الحرب الدّائمة؟ أم قد يدخل في الاستقرار الموعود بعد انتهاء هذه الحرب بغضّ النّظر عن نتائجها؟

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك