
مدير التحرير
«اختبار الدولة» في الجنوب
خاص بوابة بيروت
في تاريخ الدول، لا تُختبر السيادة على طاولات المفاوضات بقدر ما تُختبر على الأرض. فحين تنجح الدولة في ممارسة سلطتها على جزء من إقليمها، تصبح قادرة على استعادة كامل الوطن. وهكذا بدأ انتقال السيطرة في بعض المناطق الجنوبية إلى الجيش اللبناني من ضمن ما بات يعرف بالمناطق التجريبيّة. وهذا لن يشكّل اختبارًا عسكريًّأ وحسب بل سيكون اختبار سياسيّ في مدى قدرة الدّولة على استعادة احتكار السيادة.
وكلّ شيء رهن نجاح التطبيق. إذا نجح الجيش اللبناني بتطهير المناطق التجريبية من السلاح غير الشرعي فهذا يعني حكمًا أنّ النتائج ستكون إيجابيّة. وبالتوازي تمّ إعلان الرابع من آب موعدًا لاستئناف الجولة الجديدة من المفاوضات في إيطاليا. فهل يتحول تنفيذ القرار الأمني إلى نموذج يُعمَّم على كامل الجنوب؟ أم يصبح السلاح خارج الدولة في مرحلة احتواء تدريجي بدلاً من المواجهة المباشرة؟
السلام المشروط بقيام الدولة
كلّ شيء على نار التجربة. فإذا نجحت هذه التجربة، فقد تصبح أساسًا لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي وربط أي مسار سلام مستقبلي بقيام الدولة اللبنانية فعليًّا. فنجاح الدّولة في لبنان يعني الانتقال إلى مرحلة السلام. لذلك سيصار في إيطاليا إلى البحث في ثلاثة ملفّات رئيسيّة:
1. تقييم تجربة المناطق التجريبيّة.
2. الجدول الزمني للانسحاب الاسرائيلي من المناطق المتبقيّة في الجنوب المحتل.
3. البحث في استكمال الآليّات التنفيذيّة في الإطار من خلال انتشار الجيش اللبناني .
أمام هذا الواقع يبدو أنّ المجتمع الدولي بات مستعدًّا لدعم لبنان لكن بشرط أن يصبح دولة مكتملة الأركان. فاستعادة السيادة تبدأ من احتكار الدولة للسلاح. وهذا ما سيؤمّن الانسحاب الاسرائيلي الكامل وفقًا للأطر الديبلوماسيّة. وبعد ذلك سنكون حكمًا أمام نوعين من الاتّفاقات:
1. اتّفاق أمني يفضي إلى ستاتييكو على قاعدة تحديث اتّفاق الهدنة.
2. اتّفاق سلام مستدام قابل للتطوّر بحسب درجة المقبولية اللبنانية لذلك.
فهل يعيش لبنان نهاية مرحلة “لبنان الساحات” وبداية مرحلة “لبنان الدولة”؟
المناطق التجريبية والتحولات الإقليمية بعد الحرب الأميركية – الإيرانية
يبدو أنّ واشنطن عازمة على إنهاء الأذرع أوّلًا من خلال تقوية الدّول التي سيطرت عليها. والعراق خير نموذج لما يحدث. وذلك على وقع التصعيد العسكري على إيران بهدف إنهاكيّ واضح، تجاوز مبدأ المواجهة الكلاسيكية. ما يحدث هو مشروع لإعادة تشكيل النّظام الإقليمي. وهذا ما سيترك انعكاسات كبيرة في الساحة اللبنانية. وهذا ما يطرح إشكاليّة مفادها: هل بدأ الشرق الأوسط يكتب عقده السياسي الجديد من بوابة لبنان؟
تشير المؤشرات إلى أنّ عصر الوكلاء قد انتهى لصالح المواجهة المباشرة. وهذه المواجهة ستحسم عاجلا أم آجلًا، وباتت نتائجها واضحة. ولكن الاشكاليّة التي ستفرض ذاتها هي التسويات الإقليمية الجديدة بعد إنهاك الجميع. وهنا بالتحديد سيصبح لبنان أوّل ساحة اختبار لنتائج أيّ تفاهم أميركي – إيراني. وهذا ما سيتحقّق بامرين اثنين: إمّا أن تتثبّت الدّولة، وإمّا أن يبقى التوتّر تحت سقف مضبوط.
لكن الوقائع الميدانيّة في المجال الجيواستراتيجي العام، وبعد الزيارة اللبنانية إلى البيت البيضاوي، كلّها تشير الى اتّجاه البوصلة نحو السلام المرتقب في المنطقة كلّها؛ وذلك بعد تصعيد متوقّع على إيران.
الاتفاق النووي الأميركي – السعودي نتيجة من نتائج التطبيع
إعلان واشنطن ربط الاتفاق النووي المدني مع السعودية بالانضمام إلى اتفاقات أبراهام يمثل تحولاً استراتيجيًّا يتجاوز البعد النووي. فهذه شراكة دفاعيّة واضحة. وثمن هذه الاتّفاقيّة سيكون حتمًا الاستثمارات الاقتصاديّة نتيجة الرّدع النووي الذي ستحققه هذه الاتّفاقيّة.
يخشى في هذه الحالة أن تستمرّ إيران المنهكة في المرحلة القادمة. فالسلام الاقتصادي سيشكّل مدخلًا لإعادة خورطة المنطقة؟ فإذا تحقق هذا المسار، فقد نشهد أكبر إعادة ترتيب للتحالفات العربية منذ اتفاقية كامب ديفيد. ستدخل المنطقة مرحلة تعتمد فيها القوة السياسية والاقتصادية أكثر من القوة العسكرية التقليدية. إن مستقبل الشرق الأوسط قد يُكتب في عواصم القرار، لكن مستقبل لبنان لن يُكتب إلا في بيروت. فهل ينجح اللبنانيون في تحويل الجنوب من ساحة اختبار أمني إلى نقطة انطلاق لقيام الدولة؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير