بقلم محمد فران – #بوابة_بيروت تنشر #مشروع_ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير #مرفأ_بيروت في #٤_آب ٢٠٢٠
لقد أثبتت السنوات الست الماضية أن أزمة لبنان لا تكمن فقط في انفجار المرفأ، بل في الطريقة التي تعاملت
بها الدولة مع تداعياته. فالدول تُختبر في الأزمات، لكن شرعيتها تُقاس بقدرتها على إدارة العدالة بعدها.
وإذا كان الانفجار قد كشف حجم الإهمال الإداري، فإن مسار التحقيق كشف أزمة أعمق تتعلق بعلاقة
السلطة بالقضاء، وبحدود استقلال المؤسسات عندما تقترب من مراكز القرار والنفوذ.
ولعل أخطر ما أفرزته هذه القضية هو ترسيخ الانطباع بأن العدالة في لبنان ليست مساراً قانونياً مستقلاً، بل
مساراً سياسياً يخضع لموازين القوى. فكلما اقترب التحقيق من مسؤول أو صاحب نفوذ، ارتفعت المتاريس
الدستورية والسياسية، وتحولت الحصانات من ضمانات استثنائية إلى وسائل تعطيل، وأصبح الوصول إلى
الحقيقة رهناً بالتوافقات أكثر منه بالنصوص القانونية. وهذا ما جعل انفجار المرفأ يتحول، في الوعي
اللبناني، من قضية جنائية إلى قضية نظام حكم.
بين دولة المؤسسات ودولة المنظومة
إن الدول الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض الأمن أو إدارة الانتخابات أو جباية الضرائب، بل بقدرتها
على إخضاع الجميع للقانون، من دون استثناء أو تمييز. فالمساواة أمام القضاء ليست مبدأً أخلاقياً فحسب،
بل هي الأساس الذي تقوم عليه شرعية الدولة وثقة المواطنين بها.
ومن هنا، فإن قضية المرفأ لم تعد مرتبطة فقط بكشف المسؤول عن إدخال نيترات الأمونيوم أو تخزينها أو
الإهمال الذي أدى إلى انفجارها، بل أصبحت مرتبطة بالسؤال الأكبر: هل يستطيع لبنان الانتقال من دولة
المحاصصة إلى دولة المؤسسات؟ وهل يمكن بناء سلطة تحاسب نفسها، أم أن المنظومة ستبقى قادرة على
حماية ذاتها مهما كانت الكلفة الوطنية؟
العدالة ليست مطلباً عائلياً بل مصلحة وطنية
قد يظن البعض أن العدالة في قضية المرفأ هي حق يخص عائلات الضحايا وحدهم، لكن الحقيقة أنها حق
لكل اللبنانيين. لأن الدولة التي تعجز عن كشف الحقيقة في أكبر كارثة عرفتها، لن تكون قادرة على حماية
مواطنيها في أي استحقاق آخر. والإفلات من العقاب لا ينتهي عند جريمة واحدة، بل يتحول إلى ثقافة تنتج
أزمات جديدة، وتغذي انهيار الثقة بالمؤسسات، وتدفع المجتمع إلى البحث عن بدائل للدولة بدل التمسك بها.
إن العدالة في هذه القضية ليست انتقاماً، وليست تصفية حسابات سياسية، بل هي شرط لإعادة بناء الثقة بين
المواطن والدولة. فلا مصالحة وطنية من دون حقيقة، ولا حقيقة من دون قضاء مستقل، ولا قضاء مستقلاً
إذا بقي خاضعاً للضغوط السياسية والأمنية والطائفية.
الرابع من آب… امتحان الدولة
لهذا سيبقى الرابع من آب أكثر من مجرد ذكرى أليمة. سيبقى امتحاناً دائماً لقدرة الجمهورية اللبنانية على
استعادة معناها كدولة قانون، لا كمنظومة مصالح. وسيبقى السؤال الذي يلاحق كل سلطة تعاقبت منذ ذلك
اليوم: هل كانت الأولوية كشف الحقيقة كاملة، أم إدارة الحقيقة بما يحفظ توازنات المنظومة؟
فالزمن وحده لا يصنع العدالة، كما أن النسيان لا يبني الأوطان. وما لم تتحول هذه الكارثة إلى نقطة انطلاق
لإصلاح عميق في بنية الدولة وإدارة العدالة، فإن الرابع من آب سيبقى شاهداً على انفجار لم يدمّر مرفأ
بيروت فحسب، بل كشف حدود الدولة اللبنانية في حماية مواطنيها، وفي محاسبة المسؤولين عن أكبر مأساة
عرفها لبنان في تاريخه الحديث.
