مرفأ بيروت، الجريمة التي لم تنتهِ

بقلم غادة المر – بوابة بيروت تنشر مشروع ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير مرفأ بيروت في #٤_آب ٢٠٢٠

لم ينتهِ تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020 عندما انطفأت النيران، ولم تُطوَ صفحته مع إزالة الركام من شوارع العاصمة. فبعض الكوارث لا يقاس عمرها بالساعات ولا بالسنوات، بل بما تتركه من ندوب في ذاكرة الشعوب، وما تكشفه من هشاشة الدولة وعجز مؤسساتها.

ولهذا، لم يعد مرفأ بيروت مجرد موقع شهد أحد أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ الحديث، بل أصبح مرآة تعكس أزمة الحكم في لبنان، حيث يتداخل الإهمال مع الفساد، وتتقاطع السياسة مع القضاء، وتضيع الحقيقة بين دهاليز النفوذ.

كان المشهد في ذلك المساء أشبه بانهيار مدينة كاملة في لحظة واحدة. انفجار هائل مزق السماء، وموجة صادمة، اجتاحت الأحياء، ومئات العائلات التي تحولت حياتها إلى مأتم مفتوح. أكثر من مئتي قتيل، وآلاف الجرحى، وعشرات الآلاف من المنازل والمنشآت المتضررة، واقتصاد كان يترنح أصلًا قبل أن يتلقى ضربة جديدة. لكن الخسارة الأكبر لم تكن الحجر، بل الإنسان، والثقة، والإيمان بأن الدولة قادرة على حماية مواطنيها.

تكشف الوقائع المعلنة أن آلاف الأطنان من نترات الأمونيوم بقيت مخزنة في المرفأ لسنوات، رغم وجود مراسلات وتحذيرات متكررة بشأن خطورتها. وبين الإدارات المتعاقبة، والأجهزة المختلفة، والسلطات السياسية، ضاعت المسؤولية في دوامة من البيروقراطية والتقاعس. لم يكن الخطر مجهولًا، لكن القرار الحاسم لمعالجته لم يُتخذ في الوقت المناسب. وهكذا، تحوّل الإهمال إلى كارثة وطنية.

غير أن المأساة لم تتوقف عند لحظة الانفجار، بل بدأت مرحلة أخرى أكثر قسوة: البحث عن العدالة. فمنذ انطلاق التحقيق، واجه القضاء سلسلة من العراقيل القانونية والإجرائية والسياسية، من دعاوى ردّ القضاة إلى تعليق التحقيقات والخلافات حول الصلاحيات. وفي كل مرة بدا فيها أن الحقيقة تقترب خطوة، كانت تعود إلى الخلف خطوات، حتى أصبح التأخير نفسه جزءًا من القضية.

وهنا يبرز السؤال الذي يؤرق اللبنانيين: كيف يمكن لدولة أن تطلب من مواطنيها احترام القانون، بينما يبدو القانون عاجزًا عن الوصول إلى الحقيقة في أكبر كارثة شهدتها البلاد في زمن السلم؟

إن القضية لم تعد محصورة في تحديد المسؤوليات الفردية، بل أصبحت امتحانًا لمبدأ استقلال القضاء. فالعدالة لا تُقاس فقط بالأحكام التي تصدر، بل بقدرتها على العمل بحرية، بعيدًا من الضغوط السياسية والحسابات الفئوية. وكلما طال أمد التحقيق، تعاظم شعور قطاع واسع من اللبنانيين بأن ميزان العدالة يختل عندما تقترب المساءلة من أصحاب النفوذ.

لقد دفع أهالي الضحايا ثمنًا مضاعفًا؛ مرة حين فقدوا أبناءهم وأحباءهم، ومرة أخرى وهم ينتظرون الحقيقة. لم يطالبوا بالانتقام، بل بحق طبيعي تكفله كل دولة تحترم مواطنيها: أن يُعرف كيف وقعت الكارثة، ومن قصّر، ومن يتحمل المسؤولية القانونية عنها. فغياب العدالة لا يمحو الألم، بل يرسخه، ويحوّل الانتظار إلى شكل آخر من أشكال المعاناة.

ولا يمكن قراءة ملف المرفأ بمعزل عن البنية السياسية اللبنانية، حيث كثيرًا ما تتشابك الاعتبارات الطائفية و الهيمنة الحزبية مع مؤسسات الدولة. ففي مثل هذا الواقع، قد تتحول أي محاولة للمساءلة إلى ساحة تجاذب سياسي، وهو ما يجعل الوصول إلى الحقيقة أكثر تعقيدًا. لكن هذا التعقيد لا ينبغي أن يكون مبررًا لتعطيل العدالة، لأن الدولة التي تعجز عن محاسبة المقصرين تفقد تدريجيًا ثقة مواطنيها.

إن مرفأ بيروت ليس مجرد ملف قضائي عالق، بل اختبار أخلاقي وسياسي لمستقبل لبنان. فالدول لا تُبنى بالشعارات، وإنما بإرساء مبدأ بسيط: لا أحد فوق القانون. وإذا بقيت الحقيقة رهينة الحسابات، فلن يكون الضحايا وحدهم من خسروا، بل ستخسر الدولة إحدى أهم ركائز وجودها، وهي ثقة مواطنيها بعدالتها.

سيأتي يوم تُزال فيه آثار الدمار من المباني، وربما يُعاد إعمار الأرصفة والمخازن، لكن ما لن يُرمم بسهولة هو ذلك الشرخ العميق الذي أصاب العلاقة بين اللبناني ودولته. فالمدن يمكن أن تُبنى من جديد، أما العدالة، فإذا تأخرت طويلًا، فإنها تفقد جزءًا من معناها. ولعل الدرس الأقسى الذي تركه تفجير المرفأ هو أن الأمم لا تنهار فقط عندما تقع الكوارث، بل عندما يصبح الوصول إلى الحقيقة أصعب من وقوع الكارثة نفسها.

اخترنا لك